السبت، أيار ١٥، ٢٠٠٤

محاكمة صدام حسين

بسم الله الرحمن الرحيم

لعل الكثير منّا لم يتوقع أن تُقدم الولايات المتحدة على تقديم صدام حسين للمحاكمة العلنية، فإقدامها على هذه الخطوة كما كنّا نعتقد سيؤدي إلى نشر الغسيل الوسخ لكثير من الحكومات و من ضمنها الحكومة الأمريكية. ومن المثير للجدل أن بعض أعضاء الحكومة الحالية كانوا يحتلّون مواقع مهمّة في فترة الثمانينات التي شهدت قصة حب حميمة بين صدام ونظامي ريكن وبوش الأب، وأعني هنا خصوصا رمسفيلد الذي لا يخفى دوره في توطيد العلاقات بين أمريكا والعراق في بداية الثمانينات.

وهنا يتساءل المرء: ألن يعرض هذا الأمر الحكومة الأمريكية للإحراج في حالة بوح صدام حسين بأسرار تلك العلاقة؟ لذلك فإنني أستغرب مثل هذه الخطوة التي تنبئ عن لعبة تجري خلف الكواليس. ومما يثير الشكوك ما يلي:

أولا: من المثير للجدل أن يفوض قاض عراقي صغير السن، وقليل الخبرة كما لاحظنا، لتولي محاكمة بمثل هذه الأهمية، إذ بدا صدام وكأنه القاضي في تلك الجلسة، وهو سيناريو لا ندري إن كان المقصود منه تصوير صدام حسين بموقف البطل المكابر.

ومن الغريب أيضا أن التقارير الأولى التي وردت عن جلسة المحاكمة أفادت أنّ صدام حسين وصف بوش بالمجرم الذي يجب محاكمته لإساءته للشعب العراقي، وهذا ما ذكرته مراسلة الـ س ن ن كرستيان أمانبور مباشرة من بغداد، فلم نسمع هذا المقطع لاحقا، ولم يبق من شريط الجلسة بعد المونتاج سوى بضعة دقائق تلقي ببعض الضوء على الهدف الأساسي من هذه المحاكمة. إذ كان بالإمكان إظهار صدام بمظهر المهزوز الضعيف، عوضا عن الرجل الجلد الذي لم تنل منه الأصفاد، فكأنما تُعمٍّد تصوير صدام كالمتماسك كثير الحيلة، على عكس قاضي التحقيق الذي بدا مرتبكا أحيانا.

ثانيا: يحق لنا أن نتساءل أيضا عن التركيز على قضية احتلال الكويت وادعاء صدام أن احتلالها كان نصرة لشرف العراقيين الذي أهانه أحد أمراء الكويت. إن هذا الإدعاء مدعاة للتعجب حقا إذا ما ذكرنا التعليلات التي قدمها صدام سابقا، ابتداءا بسياسة الكويت النفطية، ومن ثم نصرة أحرار الكويت في ثورتهم ضد آل الصباح، ومن ثم عودة الفرع إلى الأصل إلخ. ولا ننسى كذلك الخطاب الذي وجهه صدام للكويت معتذرا قُبيل الحرب، فكيف يعتذر صدام عن أمر جلل– كما أظهرته غضبته حين ذكر تلك الحادثة؟ ولو فرضنا أن أحد أمراء الكويت قد قال هذه الكلمة فعلا، فهل من المعقول أن نعتدي على دولة بأكملها وأن نلحق الظلم بأفراد شعبها، وأن ندمر العراق بأكمله ونعرض شيوخه ونساءه وأطفاله للهلاك من أجل كلمة تفوّه بها فلان؟ لسنا هنا في معرض التحقيق في صحة هذه المقولة من عدمها، ولكن التركيز عليها له غاية يجب ألا نغفل عنها، سآتي على ذكرها لاحقا.

إن هذه المحاكمة ما هي إلا لعبة خطيرة أخشى أننا نقع في شراكها دون أن نشعر، فلو فرضنا أن المحاكمة ستكون علنية، فلم تقدم الولايات المتحدة على مثل هذه الخطوة، التي قد تقود إلى فضائح تأتي على ذكر بوش الأب ورامسفيلد وغيرهم، قبل أربعة شهور فقط من موعد الانتخابات الأمريكية؟ والسبب يحتمل عدة أوجه:

1. أن هناك اتفاق مُسبق بين صدام حسين والحكومة الأمريكية يقضي بالإبقاء على بعض الحقائق طي الكتمان، وهذا لا نستطيع الجزم به إذ لا نعتقد أن صدام يمكن له أن يثق بأصحاب الأمس وأعداء اليوم (فارضين أن سقوط بغداد لم يكن ضمن اتفاق مسبق بين الطرفين).

2. أن الولايات المتحدة درست شخصية صدام جيدا، وتعلم أنّه لن يكشف أيّا من الأسرار خوفا على سمعته باعتباره رمزا للقومية والنضال، وكشفه لإي علاقات مسبقة قد يشوه هذه الصورة. وهذا الاحتمال لا نستغربه باعتبار أن صدام مُصاب بجنون العظمة، وهي حالة نفسية ملازمة لكثير من الزعماء، ومن السهل التنبؤ بتصرفات أي مريض نفسي بعد دراسة مُستفيضة.

3. أن الولايات المتحدة ستُشكّك بأي ادعاء من قبل صدام حسين، خصوصا وأنه لا يملك أيّة وثائق يمكن أن تدعم أقواله، ولربما ستعيد إلى الأذهان مراوغاته مع فرق التفتيش عن الأسلحة لتثبت أنّه اعتاد على الكذب وأن كل ما سيتفوه به هو لصرف الأنظار عن جرائم نظامه، ولا نستغرب إن كانت الولايات المتحدة قد أوضحت هذا مليّا لصدام أثناء فترة احتجازه لتقنعه بتجنب إثارة البلابل.

4. أن تعمد بدء المحاكمة مع انتقال السلطة للحكومة المؤقتة يهدف إلى إشغال المواطن العراقي عن الواقع المر، وإلهائه بمحاكمة صدام التي ستصبح حديث الشارع، عوضا عن المطالب التي ما فتئ العراقي ينادي بها من إصلاح شبكات الكهرباء والهاتف وعودة الأمن والاستقرار. كما أنّها صورة مخادعة للديمقراطية التي يصبو العراقيون إليها، فحينما سينادي العراقيون بالديمقراطية سيُذِّكرون بجرائم صدام وكيف أنه يُحاكم بشفافية وعلانية في أبهى صور الديمقراطية والعدالة، وهي حالة لم يعتد العراقي عليها وكفيلة بإقناعه أن الغيث آت. ولذا ستكون محاكمة صدام وأركان نظامه ضالة العراقي، بشقيّه المدافع عن صدام والراغب في الانتقام منه؛ فهذا الأخير سيكون متلهفا لهذه المحاكمة للتنكيل بصدام، والأول سيمنّي النفس بإمكانية إثبات براءته، وهنا تضرب أمريكا عصفورين بحجر واحد. كما أنّ هذه المحاكمة ستحاول قدر الإمكان أن تضع الحكومة المؤقتة وحكومة صدام على طرفي نقيض، مما يسمح للحكومة المؤقتة في حالة فشلها أن تستمر باعتبار أنّها أهون الشرّين.

5. من الطبيعي أن تكثر عمليات المقاومة بعد انتقال السلطة للحكومة المؤقتة (وهنا أقصد المقاومة العراقية الشريفة وليس إرهابيو الخارج الذين تحدفوا علينا من كل حدب وصوب بغية تصفية حساباتهم مع الولايات المتحدة على حساب العراقيين) كنوع من ردة الفعل، وبالتالي فإن تزامن هذه العمليات مع محاكمة صدام ستسمح للحكومة المؤقتة والولايات المتحدة الزعم أنّ هذه العمليات هي من تدبير فلول النظام السابق انتقاما لصدام حسين، وسيتم استغلال التفجيرات التي تستهدف العراقيين على أنّها استمرار للجرائم بحق الشعب العراقي.

6. إشعال الفتن بين الشعوب والأفراد، وإثارة الضغائن بينهم، وإشغالهم بالماضي ومآسيه، سواء بين العراقيين والكويتيين، أم بين الكويتيين والشعوب الأخرى، خصوصا وأن الشعوب العربية تنظر إليهم بنظرة المتخاذل الذي تعاون مع الأجنبي ضد العراق. ولعل هذا ما رغب به مشرفو المونتاج بإدراجهم قضية الكويت في تلك الدقائق المعدودات، ويمكن أن نجزم بنجاح هذه السياسة من خلال الكتابات في الساحة السياسية.

7. إظهار الحكومة الأمريكية بموقف الراعي لحقوق الشعب العراقي.

8. إبراز التجاوزات التي تمت خلال عهد صدام حسين وخصوصا أمام الشعب الأمريكي، الذي سيكون أكثر تأثرا بقضايا تتعلق بحقوق الإنسان من قضية أسلحة الدمار الشامل، وبالتالي لن تكون هذه الأخيرة ذات أهمّية تُذكر في ذهن الناخب الأمريكي باعتبار أنّ بلده ساهم في تحرير شعب آخر من قبضة دكتاتور.

9. أن الحكومة الأمريكية لا تهتم بنتائج هذه المحاكمة داخليا، وستكتفي بنتائجها في المحيط العراقي والعربي، وهذه النقطة قد تعني أن نتيجة الانتخابات محسومة من الآن، أو أنّ المحاكمة لن تكون علنية مباشرة، بل سيتم لها عملية مونتاج قبيل البث، وبالتالي فليس هناك خطر يُذكر من تفوه صدام بأي حقيقة.

أعتقد أن لكل هذه النقاط جانب من الواقع، ولكن بقي تساؤل واحد قد يعيد خلط أوراق هذه اللعبة وهو موقف بقية أركان نظام صدام حسين أثناء محاكماتهم؛ فهؤلاء أضعف شخصية من صدام، وليسوا على نفس قدرته من قوة الشكيمة والجلد، ولا أستبعد أن تتم مسياستهم مقابل وعود كاذبة.

إن على المواطن العراقي أن يدرك حقيقة هذه المخططات وأن يفوت الفرصة على كل من يريد بالعراق سوءا سواء أكانوا أفرادا في الحكومة المؤقتة أم أمريكا أم إرهابيو الخارج، وأن يعلم ألا سبيل لتحقيق عيش رغد إلا بإسماع صوتهم عاليا وعدم التخاذل بحق مستقبل العراق. والحمد لله أننا ما زلنا نجد وعيا كبيرا من جميع أطياف الشعب العراقي، مما ساهم في إفشال مخططات إشعال حرب طائفية، والأمل يحدونا أن يعي العراقيون أهمّية الفترة القادمة في إرساء ركائز عراق جديد مزدهر بإذن الله.

اللهم احفظ شعبنا من كل مكروه، ولا حول ولا قوة إلا بالله

البغدادي