الثلاثاء، كانون الأول ١٤، ٢٠٠٤

ارحموا عزيز قوم ذل

بسم الله الرحمن الرحيم


استيقظت على رن جرس الهاتف من صباح اليوم الأحد..كنت مُتعبا وكدت ألا أرد على المتصل...ولكني فعلت متثاقلا فإذا به صديقي الجزائري العزيز يسأل: هل سمعت الخبر؟ عندما يوقظك شخص ما ويسألك هذا السؤال، فهذا يعني أن مصيبة قد حدثت. "مسكو صدام"! ذهبت مسرعا لأشاهد الأخبار، فإذا بي أراه كثيف اللحية مُتعب، وقد ضاقت عليه الدنيا بوسعها.

لم أبتسم ولم أفرح البتة، وكأن السنون مرّت بذهني، وترآى أمامي تاريخ هذا الرجل. لم أقل إلا: "اللهم لا شماتة"

تملكني حزن شديد، ولم أدري لماذا...أهي دمعات النساء اللواتي بكين أزواجهن وأبنائهن ممن قُتلن على يد النظام السابق؟ أم ضعف إنسان ظن يوما ألا حساب له؟ أم منظر رجل كبير السن حائر منهار القوى؟ أم ضياع بلدي وأمواله وخيراته؟ أم احتلاله؟ أو ربما تذكري أيام عزه وهيلامانه؟ أم هي حسراتي على العراق...وعتابي على هذا الرجل "لم أوصلتنا إلى هذا يا صدام؟"

كان من المفترض أن أفرح لقاتل عمّي، وأبناء بلدي. "كنت حاكما عادلا"...هكذا قال، أو هكذا ادعوا أنه قال عندما سئُل عن جرائم نظامه.

اتصل بي صديق أمريكي يهنئي، ويستفسر إن كنت سأحتفل بهذا الخبر، فاستغرب منّي نبرة الحزن في صوتي. قلت له كلا لست فرحا. واختلجت صدري مشاعر متضاربة...ولربما كان حواري مع بعض الأكراد والشيعة قبل أيّام عاملا في ما أشعر به. فبعض الأكراد نادوا بوطنهم، وبعض الشيعة امتدحوا حزب الدعوة، ورددوا عبارات لم أعهدها من عراقيين، ولا أظنها تصدر من عراقيين...لم أجبهم إلا: أتمنى أن صدام لم يكن مُحقا فيما ارتكبه من جرائم. أذكر نفسي دائما أن منهج المرء وقناعاته يجب آلا يتغير بناءا على آراء أفراد وعينات، وألا نعمم على فئة مساوئ البعض...

ولكني في لحظات...نسيت جرائم صدام...ولم أشعر برغبة الانتقام...فهاهو اليوم وقد زال مُلكه...ها هو رجل كبير السن ضعيف...صدقوني أنني لم أر حينها الطاغية المجرم...ولكني رأيت فيه هذا الإنسان الضعيف الذي أخطأ...رأيت فيه إنسانا مُسنّا لو رأيته في الشارع لمددت له يد العون...

ما أزال حزينا...وما زال السؤال يشغل ذهني: لم أوصلتنا لهذا يا صدام؟ كان بإمكانك أن تكون قائدا رائعا تبني الخير للعراق والعراقيين...كُنّا نحبك قبل عقد من الزمان...كُنّا نرى فيك الأب والقائد الحنون...وكُنّا وكُنّا...لم دمرت البلاد وشرّدت العباد؟ لم ينس المرء أن المولى يُمهل ولا يُهمل؟ لم يعمل المرء لهذه الدنيا وينسى الآخرة؟ ولِمَ...ولِمَ...

يا صاحُ لا تحسبنّ الدُنيا دائمة *** فدوام الحال من المُحال
فكُلنا خلقٌ والخالِق واحد *** وكل مخلوق مفطور على الزوال
استقم تكُ في طيب عيشٍ *** وإلا تكن عليك الدُنيا وبال

مضى ما مضى...ومن قُتل قُتل...والبلاد دُمرت...والعبادُ شُرِّدت...وكلّنا نحن العراقيين نتحمل مسؤولية ما جرى...تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...نافقنا وصفقّنا...وخفنا العباد قبل رب العباد...أنكرنا النعم واشتغلنا بالدنيا...فحقّ علينا العذاب بما جنيناه...ولكن مضى ما مضى...ليكن هذا درسا لنا وللأجيال المُقبلة...لنتعلم ألا نرضى بالنفاق والتملق...لنتعلم أن نخشى المولى عزوجل... دروس قاسية هذه التي تعلّمناها...ولكن المستقبل أمامنا...فلنعوض ما فات...ولنبني ما دُمر...ولنجعله عراقا جديدا عامرا خيّرا كما كان يوما...

لنتعلم من أخطاء هذا الرجل...لنترك رغبة الانتقام جانبا...فما مضى مضى...ولا نقول إلا:

ارحموا عزيز قوم ذل

اللهم احفظ شعبنا من كل مكروه، ولا حول ولا قوة إلا بالله

ليست هناك تعليقات: