بسم الله الرحمن الرحيم
للعراقيين عادات شهيرة في هذا الشهر الفضيل إضافة إلى العبادة، ومنها لعبة المحيبس (المحبس أو الخاتم). في معظم الأحياء، وخاصة الشعبية منها، يتجمع عدد غفير للاستمتاع بهذه اللعبة. يتبارى فريقان بأن يخفي كل فريق المحبس على أن يحاول الفريق الآخر استخدام فطنته وحدسه لإيجاده.
إلا أن الأحداث الجسام التي مرّت بالعراق الحبيب ألقت بأثرها على جميع مناحي الحياة، ومنها لعبة المحيبس. ولعل العراقيين يبحثون الآن عن ألعاب أكثر أمانا، كالألعاب "المنزلية" (الحمد لله لم تصل التفجيرات إلى داخل المنازل)!
فكرت في أن أقترح لعبة بسيطة للشعب العراقي؛ لعبة منزلية آمنة، تثقيفية وسياسية واجتماعية وترفيهية تهتم بشؤون العراق الحالية، لا تحتاج لكهرباء ولا ماء، بل مجرد حاسة سمع جيدة، ونظر قادر على قراءة الجرائد المنتشرة بالمئات، وفطرة إنسانية سليمة.
أكاد أتخيل عائلة عراقية بسيطة، تتابع التلفاز كلما حلُ هلال الكهرباء، وتقرأ الجرائد وتسمع المذياع في غيابه. فيبدأ الوالد لعبة "سين جيم" مع ولده:
س: بابا، إذا واحد يسوي تفجيرات بالسعودية، ويكتل الناس والأجانب والشرطة، شنسميه بابا؟
ج: "إرهابي، مو؟"
عفية! نقطة إل-حمّودي!
س: زين بابا هذا الإرهابي إذا عبر الحدود وإجه للعراق، شنسميه؟
ج: هَمْ إرهابي!
لم يجد الطفل الصغير صعوبة في الإجابة، فالمسألة "ما يرادّلها عِلم" كما يقول العراقيون، فعبور الحدود لا يعني أن يتحول المرء فجأة من إرهابي إلى مُجاهد! إجابة "مُجاهد" لا ينطق بها إلا "مسودن".
أخذت أتذكر أساليب نظام صدام حسين في سنوات حكمه التي أرعب فيها العراقي حتى في نومه، فإذا بي أجدها متقاربة جدا، فالأول كان يدعي حماية الوطن، وثلة الفساد تدعي حماية الدين! لم يكن النظام السابق يستهدفك إلا أن أردت ممارسة حقك الطبيعي بالتعبير عن الرأي (وإن كان العراقيون يعتقدون أن سب "الريّس" هو التعبير الطبيعي والوحيد لهذا الحق!). أمّا إرهابيو دول الجوار، فورثوا أساليب وطوروها لتصبح أكثر إخافة وبشاعة، ولكن مع صبغة دينية كي يتمكن فاقدوا الرجولة واللاهثين وراء انتصارات ورقية من تقبلها واستساغتها باعتبارها حق مشروع.
كانت عناصر المخابرات تستخدم أحواض الأسيد لإذابة الأجساد مثلا، وأحيانا تلجأ إلى بتر الأعضاء ونزع الأظافر، وهذه العملية كانت تُجرى بصورة فردية. أما إرهابيو دول الجوار، فهم يفضلون طريقة أسرع وأكثر تقنية تعتمد على تبرع أحدهم بتفجير نفسه كي يوفر الوقت على بقية زملائه من جهة، ويبتر أشلاء أكبر عدد ممكن من الأجساد البشرية من جهة أخرى.
ونكاد نقرأ خبرا في الجرائد يقول: عملية استشهادية تقطع أشلاء عشرة عراقيين، وتبتر أعضاء عشرين آخرين، عدا بضعة آخرين ممن احترقت أجسادهم داخل سياراتهم بعد تعذرهم من الخروج! الله أكبر!
ولو وقعت نفس الواقعة في السعودية، لاستبدلت "استشهادية" بـ"إرهابية"، و"عراقيين" بـ"سعوديين".
يريد هؤلاء إرهاب العراقيين، وثنيهم عن بناء بلدهم وحفظ أمنه. يريدونه مرتعا لعفنهم وفكرهم المريض. وكلما أكثروا من هجماتهم يزداد إصرار العراقيين على المضي قدما في نهضة العراق، فما أثنتهم التفجيرات والأشلاء التي لطخت الشوارع عن الذهاب للجامعات والمدارس والانخراط في أسلاك الشرطة وقوات الحرس الوطني. وكلما ضاقت عليهم الدوائر، تفننوا في أساليب إرهابهم، فلا يزدادون إلا خسارا.
يا إرهابيو دول الجوار: مهما فجرتم من سيارات، ومهما رمّلتم من نساء، ومهما دمّرتم من ممتلكات، لن تسلبونا الأمل بحياة أفضل. ضحّينا بعقود من الصمت والتخاذل، ولكن عراق اليوم ليس كعراق الأمس، وكما سخّر لنا الله سبل الخلاص من الطاغية، فإنه قادر على نصرتنا للخلاص منكم ومن عفنكم، والاحتلال من بعدكم.
يا زُمر السوء، نحن لكم بالمرصاد، بالكلمة والفعل والعلم والمعرفة. عودوا من حيث أتيتم، وإلا فإما التوبة، أو اللحاق بسابقيكم في نار جهنُم وبئس المصير.
اللهم احفظ شعبنا من كل مكروه، ولا حولا وقوة إلا بالله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق