بسم الله الرحمن الرحيم
ربما لم يشهد أي شعب من شعوب العالم في عصرنا الحالي مؤامرات على النحو الذي شهده الشعب العراقي على مدى العقود الماضية. إن هذه المقالة ليست بصدد ذم حكومات دول الجوار بقدر ما هي محاولة لاستقراء الواقع الذي يحاول البعض تجاهله، فالعربي بطبعه يفضل الكذب على الذات على أن يواجه الواقع بجلد.
قبل أن نعرج على هذه الموضوع، من المهم إن نلقي الضوء على ما يجري حاليا في العراق. والمتأمل في أوضاع العراق الحالية يدرك أن الأطراف المتنازعة تنقسم إلى ما يلي:
1. عراقيون غيورون على بلدهم، وليسوا على استعداد للمساهمة في العملية السياسية بأي شكل من الأشكال باعتبار تلك العملية باطلة في ظل الاحتلال. ينقسم موقف هؤلاء إلى الداعي إلى المقاومة المسلحة، وهذا ما نجده في عمليات تستهدف قوات الاحتلال مباشرة، أو من يدعو إلى خروج الاحتلال قبل البدء بالعملية السياسية، وهذا ما نجده في موقف هيئة العلماء المسلمين المتمثلة بالشيخ الضاري.
رغم أن المقاومة حق مشروع، إلا أننا في موقف يجب أن نُحكّم فيه العقل ونضع العاطفة جانبا، لأن فشل العملية السياسية سيعني سنوات من الدمار والخراب. وللقائل بأن الجهاد في هذه الحالة واجب شرعي، لماذا لا نتذكر السنّة النبوية وما فيها من عبر؟ فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يدع نفسه لينساق وراء العاطفة أيّام الدعوة السرية، فجهره بتلك الدعوة في بداية نبوته لربما أدى إلى وئد الإسلام في مهده، فنرى في موقفه حكمة و استقراء صحيح للوضع السياسي والاجتماعي آنذاك. ولنا كذلك أن نذكر موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيام الفقر التي حلّت بالأمة آنذاك، فلم يُطبق حكم قطع يد السارق رغم أنّه واجب شرعي، فلا يمكن أن نطبق الشرع بطريقة عمياء دون النظر إلى واقع الأمة.
إن المطالب بخروج قوات الاحتلال فورا لا يعي خطورة الوضع في العراق، فنحن هنا لا نتحدث عن حرب طائفية، فالعراقيين أثبتوا للجميع أنهم وحد واحدة، ومن أجمل صور هذا التلاحم صلاة الجمعة المشتركة بين السنّة والشيعة، واللقاءات المستمرة بين وجهاء الشيعة والسنة والمسيحيين، ومساعدة المسلمين لإخوتهم المسيحيين أثناء التفجيرات الإرهابية التي طالت أماكن عبادتهم. إن خطورة الوضع تتمثل في زيادة التغلغل الإيراني، وتصارع الأحزاب المختلفة على السلطة، أو اللجوء إلى العنف لإثبات الذات كما كان الحال مع الصدر.
لذا فمن المهم لجميع أطياف الشعب العراقي الانخراط بالعملية السياسية لتهيئة الجو لعراق جديد، لأن تغيبها إجهاض لتأملات الشعب العراقي الذي سيكون أكبر الخاسرين. جميعنا ندرك أنّنا عراق اليوم ليس مثاليا، لكن الانتخابات خطوة في الاتجاه الصحيح دون شك.
2. إرهابيون عرب تحدفوا علينا من دول الجوار، وخصوصا إيران والسعودية وسوريا. وأسمي هؤلاء إرهابيون كونهم ضالعين في تفجيرات تستهدف العراقيين أولا وأخيرا. ولو راجعنا جميع عمليات التفجير، لوجدنا أن معظمها استهدف المدنيين العراقيين، وأفراد الشرطة، والحرس الوطني، عدا أماكن العبادة للمسلمين والمسيحيين.
وهؤلاء، وإن كانوا يدّعون الجهاد، فإن مصلحة العراق والعراقيين هي آخر ما يصبون إليه. فما هدفهم يا ترى؟ من الواضح أن مطمحهم الأول هو إفشال العملية السياسية في العراق، وخلق حرب طائفية بين مختلف أطياف الشعب العراقي، وجعل غياب الأمن الهاجس الأول للعراقيين لإرهابهم وإبعادهم عن المشاركة في مستقبل العراق.
مواقف دول الجوار
ومن المؤسف حقا أن نجد معظم هذه المجموعات تلقى الدعم من حكومات السعودية وإيران وسوريا، سواء أكان دعما ماديا أم لوجستيا. وأقول "معظم" لأني لا أستغرب لو كانت بعض هذه المجموعات تلقى دعما أمريكيا أو عراقيا (من بعض الأحزاب) من أجل التغطية الإعلامية وإيجاد المبررات.
أما المدعو الزرقاوي، فسواء أكان أكذوبة أمريكية أم حقيقة، فإن ما يمثله شبح الزرقاوي حقيقة لا تخفى على أحد. أما كون هؤلاء الإرهابيين ينطلقون من الفلوجة، ففي هذا شيء من الصحة -إن اعتقدنا أن جميع عمليات التفجيرات هي من صنع الإرهابيين وليست مدبرة-، فعندما حُوصرت الفلوجة آخر مرة، لم نسمع عن أي تفجيرات انتحارية في بغداد، وتوقفت عمليات التسليب على الطريق السريع الممتد إلى حدود الأردن. ولكن هذا لا يعني أن نرض بعمليات القتل العشوائي بحق أبناء الفلوجة لمجرد الاشتباه بوجود بعض العناصر المشبوهة.
لكن ما أستغربه حقا هو استهداف الأجانب الذين تكلفوا الكثير من أجل مساعدة العراقيين، وآخر هؤلاء مديرة برنامج "كير"، إضافة إلى عمليات الذبح التي طالت الأبرياء (ومن الغريب أن مثل هذه العمليات عادة ما تعقب خسائر أمريكية فادحة، فإما أن تكون هذه المجموعات مرتبطة نوعا ما بالاحتلال، أو أنّهم فعلا إرهابين يستهدفون كل من يريد أن يساعد الشعب العراقي).
وإن عدنا إلى موضوع دعم حكومات الجوار لمعظم تلك الجماعات، قد يظن البعض أن هذا مجرد تكرار لما تردده الحكومة الأمريكية، ولكي نقف على حقيقة الأمر، وكما في أي جريمة، لنبحث عن المستفيد من الوضع العراقي الحالي:
أ. إيران: تدفع طائفية البعض إلى تجاهل الخطر الذي يحدق بالحكومة الإيرانية، فالحقيقة إن إسرائيل لن تسمح لأي قوة، مهما كانت، بامتلاك أسلحة دمار شامل، والحكومة الإيرانية تدرك ذلك جيدا، ولذلك فتأزم الوضع في العراق يعني إعطاء الوقت الكافي لإيران لإكمال برنامجها النووي، فالفوضى في العراق تعني انشغال أمريكا وقواتها في حرب مدن، وتعذرها عن التركيز على إيران باعتبارها راعية للإرهاب..
لذا فإننا نجد إيران تتدخل تدخلا سافرا في شوؤن العراق لسببين: الأول هو إذكاء نار الطائفية بين سنة العراق وشيعته، وذلك من خلال دعمها لقوات بدر وإرسالها للعملاء والإرهابيين للتغلغل في الجسد العراقي، والقيام بعمليات الخطف والقتل بحق العلماء السنة والشيعة على السواء. أمّا السبب الثاني، فهو محاولة إيجاد لوبي إيراني داخل الحكومة العراقية في حال استقرار الوضع، لضمان عدم دوران العراق في خارج الفلك الإيراني.
ضف على ذلك الحقد الإيراني جراء سنوات الحرب الثمان، ورغبتها في الانتقام، وذلك من خلال السماح لشبكات تهريب المخدرات والأسلحة من العبور للعراق لنشر السموم بين أبناء الشعب العراقي. ولو أن ظاهرة تعاطي المخدرات في العراق كانت تأخذ أشكالا أخرى كشم الصمغ والبنزين، إلا أنّها لم تكن يوما بالسوء الذي نجده اليوم في العراق.
وما أسطره هنا سبق وأن أكده وزيرا الداخلية والدفاع العراقيين، وضباط استخبارات إيرانيين هاربين أو ممن ألقي القبض عليهم.
ب. السعودية: من المؤسف حقا أن نجد الحكومة السعودية ضالعة في استهداف استقرار العراق ورفاهية الشعب العراقي. لو عدنا للتاريخ، لوجدنا أن موقف الحكومة السعودية غالبا ما كان ضد الشعب العراقي، ابتداء من دعم صدام حسين والسكوت على جرائمه، مرورا بسماحها للطائرات الأمريكية والبريطانية في ضرب العراق طوال فترة الحصار، وانتهاء بهذه الحرب وسماحها للإرهابيين بالعبور للعراق.
أمّا موقف السعودية الداعم لنظام صدام حسين، فلا يمكننا إلقاء اللوم عليها فقط، فالشعب العراقي نفسه ساهم في هذه الجريمة بنفاقه ورفضه التصدي لحقوقه الشرعية، لكن اللافت للنظر هو استخدام الحكومة السعودية للدين عند الحاجة فقط، فدعم صدام كان مُباحا إلى أن احتل الكويت، فأصبح حزب البعث حينها كافرا!
أما موقف الحكومة السعودية أيّام حصار العراق، فهو كغيره من المواقف العربية المتخاذلة، فالدول العربية كانت تطبق الحصار حرفيا رغم أن إسرائيل على مرمى نظرهم تستبيح فلسطين كما تشاء ضاربة عرض الحائط بكل المعايير الدولية.
وأخيرا، بعد أن انقلبت سياسة دعم التطرف الديني ضد الحكومة السعودية، نجدها اليوم تحارب الفئة الضالة بعد أن غضت الطرف عن هذا التطرف لسنوات، وأسهل الطرق كان السماح لهذه الفئات بالعبور للعراق لتنفيذ مخططاتهم.
إلا أن أهم الأسباب هو إدراك الحكومة السعودية أنها مستهدفة عاجلا أم آجلا من قبل الحكومة الأمريكية، ولذا فإن من مصلحتها استمرار تأزم الوضع في العراق تماما كمصلحة النظام الإيراني. والمتابع لمحطات التلفزة الأمريكية والمقالات المنشورة من قبل المحافظين الجدد يدرك أن مشروع استهداف السعودية قيد التخطيط، لكن هذا يتطلب استقرار العراق أولا كونه سيصبح السعودية الجديدة.
ج. سوريا: موقف الحكومة السورية مشابه لإيران والسعودية، ولعلنا نتذكر الفترة التي عقبت سقوط صدام حسين حيث بدأت الحكومة الأمريكية بالضغط على سوريا لتحييدها وتطويقها. حينها، أدركت الحكومة السورية خطورة استقرار العراق، وما سيعنيه ذلك من عزلة لسوريا، ولذا غضت الطرف هي الأخرى عن عمليات عبور المتطرفين للحدود بين البلدين.
نلاحظ أنّ استهداف استقرارالعراق هو مسألة حياة أو موت لهذه الحكومات، فاستقرار العراق يعني تعرضها لضغوط وربما لتغيير، لذا فنجد أن مصلحتها إشعال الوضع في العراق لتأجيل المشروع الأمريكي من جهة، ولكي تخيف شعوبها مما سيحدث لها في حال سقوط الأنظمة.
وأين المواطن العربي من كل هذا؟
لو قدر للحجاج أن يفيق من قبره اليوم، لاعتذر للشعب العراقي، فالشعوب العربية فاقت الشعب العراقي في نفاقها. فالنفاق أصبح حالة مرضية مزمنة للمواطن العربي، فنجد هؤلاء المهللين والمطبلين لكل عملية إرهابية يذهب ضحيتها العراقيين، مرددين شعارت الجهاد الجوفاء، باحثين عن رجولة ناقصة سُلبت منهم في ظل الأنظمة الحالية. فهؤلاء يعلمون جيدا أنّهم يُساقون كالنعاج في بلدانهم، وعوضا عن مساعدة الشعب العراقي للوقوف على قدمية من جديد، نجدهم يدعمون الإرهابيين لإرضاء حالة مرضية نفسية تتجلى في أذى أي أمريكي، مدنيا كان أم عسكريا، أو أي عراقي يحاول بناء بلده.
يريد هؤلاء فشل العراق بأي حال من الأحوال. نراهم يقولون أنظر إلى غياب الأمن! هذا ما جاء به الأمريكيون! ومن ناحية أخرى نراهم يفرحون بمقتل أفراد الشرطة العراقيين الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل إعادة الأمن والاستقرار! وعندما نبحث عن هذه الرغبة الجامحة في الانتقام من كل ما هو أمريكي، نجدها نابعة عن يأس وانهزامية، فكل مصيبة حلّت بهم سببها أمريكا والتآمر اليهودي! يلعن هؤلاء الظلام بدل أن يوقدوا شمعة، ولو تمعّن هؤلاء جيدا، لوجدوا أنّ ما جرى للشعوب العربية والإسلامية سببته هذه الشعوب نفسها، ولكم في شعب العراق مثالا جلّيا، فدمار العراق سببه تخاذل الشعب العراقي ورضاه بالظلم والطغيان. إن سبب تخلف الدول العربية والإسلامية هو تخلّف الشعوب نفسها وسماحها لحكامها بالعبث بمصائرهم. يا سادة يا كرام، أمريكا ما كان لها أن تفعل ما تشاء لولاكم ولولا حكوماتكم، وبدل أن تفرحوا بدمار العراق شماتة بأمريكا، هلا فعلتم شيئا لتطوير بلدانكم؟ إلا متى سيجرث هذا النفاق في شرايينكم؟ لماذا لا تدعوا للعراقيين فرصة كي يبنوا بلدهم؟ تعيشون في الظلام في ظل حكومات تسلبكم رجولتكم وحقكوكم، فلا تملكون سوى التصفيق والدعاء للحاكم بالسلامة! سيظن البعض أنها دعوة للعنف المسلح - فالعربي بات لا يفهم سوى العنف، ولذلك ترى حكومته لا تعامله إلا بهذا المنطق- بل إنها دعوة للتعبير عن الرأي والتصدي للحقوق المسلوبة بأسلوب حضاري.
يا حكومات دول الجوار، أما آن الأوان أن تصالحوا وتصارحوا شعوبكم عوضا عن المقامرة بمصير الشعب العراقي من أجل كرسي الحكم؟ إن شعوبكم هي دعائم حكمكم، وظلمكم وطغيانكم شارف على الانتهاء، فتعلمّوا من أخطاء رفيقكم السابق لعلكم تصلحون ما أفسدتم. وأيتها الشعوب العربية، إن كنتم ترضون بعيشة الماشية تساقون بالضرب والعصي، فهنيئا لكم تلكم العيشة، أمّا الشعب العراقي، فهو ماضي العزم في إصلاح أخطاء الماضي وبناء عراق جديد يسوده المحبة بين شيعته وسنته ومسيحييه وصابئته. والاحتلال زائل لا محالة، فلا نريد منكم سوى مساعدة الشعب العراقي في ترسيخ أسس الحريات واحترام حقوق الإنسان، أمّا إن أبيتم إلا أن تنكلوا فينا، وتزيدوا في آلامنا، فكفانا الله شركم وشر امثالكم.
اللهم احفظ شعبنا من كل مكروه، ولا حول ولا قوة إلا بالله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق